مفاهيم خاطئة عن الصوم. هل نمارس الصوم علنًا أم لا؟ (4 من 4)

You are currently viewing مفاهيم خاطئة عن الصوم. هل نمارس الصوم علنًا أم لا؟ (4 من 4)
Image credit: kamil-szumotalski-wbL3WTv4Ty8-unsplash

يعاني بعض الناس من فكرة تقديم المساعدة أو ممارسة الأعمال الروحية، مثل الصوم، عندما يكون الآخرون قادرين على رؤيتهم. ومن الآيات التي يبدو أنها تدفع البعض إلى عدم القيام بالأعمال الصالحة «علانية» هي متى 6 :6، حيث يعلّمنا المسيح قائلاً: “وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.”

يأخذ كثيرون هذه الآية بحرفيتها، وبناءً على ذلك يمتنعون عن مساعدة الآخرين في الظروف الاجتماعية، معتبرين أنهم لم يعودوا يعملون في «الخفاء» بل «علانية»، كما فعل الفريسيون. غير أن هذه الآية لا يمكن فهمها فهمًا حرفيًا يشمل جميع الأعمال الروحية بحيث تُمارَس داخل الغرفة فقط، لأن ذلك يترتب عليه إشكالات عديدة.

ومن هذه الإشكالات أنه إذا كان القديس بولس يوصينا بأن «نصلّي بلا انقطاع» (1 تسالونيكي 5 :17)، وكان ينبغي أن يتم ذلك في الخفاء، فلن يخرج أحد من غرفته! وهذا سيؤدي إلى بقائنا جميعًا منغلقين في غرفنا، في حين أننا مدعوون أيضًا لأن نكون «نور العالم» (متى 5 :14–16). لذلك، لا ينبغي أن تُفهم متى 6:6 فهمًا حرفيًا، بل تمييزيًا وحكيمًا. كما أن المؤمنين الذين يصومون باستمرار لأسابيع متتالية لا يمكنهم أن يعزلوا أنفسهم داخل غرف نومهم طوال هذه المدة.

وقد نظر آباء الكنيسة أيضًا إلى متى 6:6 نظرة تمييزية.

القديس أغسطينوس أسقف هيبو (430م)  شرح «الغرفة» على النحو التالي:
«وما هذه المخادع إلا قلوبنا ذاتها، كما يُقصد أيضًا في المزمور حين يقول: ما تقولونه في قلوبكم اندموا عليه فى مضاجعكم. وعندما يقول: وأغلق بابك، فصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء. فليس بالأمر العظيم أن ندخل إلى مخادعنا إذا كان الباب مفتوحًا أمام غير المهذّبين، الذين من خلاله تندفع الأشياء الخارجية بلا وقار وتهاجم إنساننا الداخلي.
وقد قلنا إن ما هو خارجي هو كل ما هو زمني ومرئي، يتسلل عبر الباب، أي عبر الحواس الجسدية، إلى أفكارنا، فيُقاطع المصلّين بضجيج حشد من الخيالات الباطلة. لذلك ينبغي إغلاق الباب، أي مقاومة الحواس الجسدية، لكي تُوجَّه الصلاة الروحية إلى الآب، وهذا يتم في أعماق القلب»
( القديس أغسطينوس، عظة الرب على الجبل، الكتاب الثاني، الفصل 3.2 )

القديس هيلاري أسقف بواتييه (368م)، متوافقًا مع القديس أغسطينوس، قال:
«نُطلب أن نصلّي وكأن باب المخدع مغلق، ومع ذلك نُعلَّم أن نرفع صلاتنا في كل مكان. فقد صلّى القديسون بحضور الوحوش فى البرية، وفي السجون، وفي أتون النيران، ومن أعماق البحر ومن بطن الحوت.
لذلك نُنبَّه ألا ندخل مخادع بيوتنا، بل مخدع قلوبنا. ومع إغلاق وظيفة عقولنا، نصلّي إلى الله لا بكثرة الكلام، بل بالضمير، لأن كل عمل يفوق كلمات المتكلمين»
(هيلاري أسقف بواتييه، تفسير متى 5 :1، وكذلك تعليق على متى 6:6 في كاتينا: الكتاب المقدس والتفاسير)

القديس يوحنا ذهبي الفم (407م)  قال أيضًا:
«يجدر بنا أن نلاحظ هنا أيضًا مدى دقة التعريف الذي وضعه حين قال: “لكي يظهروا للناس”. فحتى إن أغلقت الأبواب، فإن ما يريده هو أن يتم هذا الأمر على نحو لائق، لا مجرد إغلاق الأبواب الخارجية، بل إغلاق أبواب الذهن. لأنه كما هو حسن في كل شيء أن نتحرر من المجد الباطل، فهو بالأولى في الصلاة.
فإن كنا حتى بدون هذا نتشتت ونتجول بأفكارنا، فمتى سننتبه لما نقوله إذا دخلنا الصلاة ونحن مصابون بهذا الداء أيضًا؟ وإذا كنا نحن الذين نصلّي ونتضرع لا ننتبه، فكيف نرجو أن ينتبه الله إلينا؟»
(يوحنا ذهبي الفم، العظة 19 على إنجيل متى، الفقرة 3)

وبناءً على ذلك، فإن «الغرفة» التي يتحدث عنها المسيح ليست غرفة حرفية، بل روحية. ينبغي لنا أن نركز على الحضور مع الله دون تشتيت ذهني، لأن التشتيت يرمز إلى «باب مفتوح»، بينما يجب أن تكون قلوبنا مغلقة أمام كل الضوضاء الخارجية.

ويرى كثير من البروتستانت أن متى 6:6 ينطبق فقط على التضرعات الشخصية الخاصة إلى الله، لا بالمعنى الروحي العميق، وهو ما لا يستلزم الصوم سرًّا داخل غرف النوم.

Leave a Reply